مقالات

الأمة الشاهدة ..أسباب التراجع وسُبُل التمكين

الأمة الشاهدة ..أسباب التراجع وسُبُل التمكين

حصة عبدالله الحاي السليطي

الأمة الإسلامية هي أمة حملت أمانة الشهادة على الناس، وجعل الله لها رسالة تتجاوز حدود المكان والزمان. وقد وصفها سبحانه بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].

فالخيرية هنا ليست امتيازاً عرقياً أو تاريخياً، وإنما مسؤولية مشروطة بالإيمان والعمل والإصلاح. وهي الأمة التي جعلها الله وسطاً وشاهدة على الناس، فقال: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143].

وهي أمة نبي بعثه الله رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وحمل إليها نور الوحي الذي أخرج الله به الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الإيمان والعلم والهداية.

ولذلك لم يكن حضور المسلمين في التاريخ مجرد توسع جغرافي، بل كان ـ في مراحل ازدهارهم ـ ثمرة لمنظومة متكاملة جعلت الإنسان مسؤولاً عن نفسه ومجتمعه وعمران الأرض.

لقد سادت الأمة حين تمسكت بأدواتها الأصلية التي صنعت مجدها،وعلى رأس ذلك التوحيد الذي منحها وضوح الغاية، والقراءة والعلم اللذان فتحا لها أبواب المعرفة، والعدل الذي حفظ الحقوق، والشورى التي جعلت المشاركة والمسؤولية أساسًا للحكم، والعمل الذي حوّل الإيمان إلى إنتاج وعمران، والتكافل والتراحم اللذان حفظا تماسك المجتمع، والجهاد بمعناه الشرعي الذي يقوم على بذل الوسع في نصرة الحق والدفاع عن الأمة.

وحين تراجعت هذه المعاني، وتحول الدين عند بعض المسلمين من منهج حياة إلى مجرد شعارات ومظاهر، بدأ التراجع الحضاري، لا لأن الإسلام فقد قدرته على بناء الإنسان، وإنما لأن المسلمين ابتعدوا عن الأدوات التي جعلتهم أمناء على رسالته.

ومن هنا فإن استعادة المكانة لا تكون بخطاب عاطفي يستدعي أمجاد الماضي، ولا بمجرد الحنين إلى زمن القوة، وإنما تبدأ ببناء الإنسان من جديد.

نحتاج إلى نظام تعليمي يجعل العلم أداة للإبداع والإنتاج، ونظام قانوني يرسخ العدل والمساءلة وتكافؤ الفرص، ونظام اقتصادي يرفع قيمة العمل والإنتاج والابتكار، بحيث يصبح الإنسان المنتج والنافع لمجتمعه هو الأعلى قيمة، لا صاحب المظهر أو الادعاء. وتلتقي هذه الرؤية كلها مع الأصل الذي ينبغي أن يحكم حركة المسلم في الحياة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162–163].

فالعودة الحقيقية ليست عودة إلى الماضي، وإنما عودة إلى المنهج الذي صنع الماضي، ثم انطلاق به لصناعة المستقبل.

إنَّ المستقبل لهذا الدين، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ماضٍ إلى عِزٍّ ونصر؛ فقد جاء عنه: «ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل».

فالعاقبة لهذا الدين، غير أن بلوغها لا يعني أن المسلمين معفيون من سنن التمكين وأسباب النهوض، بل إن العزة لا تُنال بالأماني، ولا تستعاد بمجرد الحنين إلى الماضي، وإنما بالعودة الصادقة إلى حبل الله المتين، والاعتصام بالوحي، وإقامة الدين في النفوس والمجتمعات.

وهذه العودة تقتضي أن يظل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المرجع الحاكم للعقيدة والسلوك والتشريع، وأن تتحول قيمهما من شعارات مرفوعة إلى منهج حياة يصنع الإنسان الصالح القادر على حمل الأمانة وبناء الحضارة.

غير أن نقطة البدء في هذا الطريق ليست خارج الإنسان، وإنما من داخله، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

وعلينا أن ندرك أن الأوبة الحقيقية تستلزم تغييراً يبدأ بالحكام والمحكومين، وبالفرد والأسرة والمؤسسة، تغييراً في القيم والضمائر، وفي طرائق التفكير والعمل وتحمل المسؤولية، ثم ينعكس إصلاحاً في واقع الأمة ومؤسساتها.

فإذا صدقت العودة إلى الله، واستقام الإنسان على مقتضى الوحي، أمكن أن تستعيد الأمة دورها في الشهادة على الناس وحمل رسالة الرحمة والعدل.

وتلك هي سُنَّة الله في خلقه، أن التغيير الحضاري يبدأ من النفوس، وأن التمكين ثمرة للإيمان والعمل والأخذ بأسباب القوة، لا مجرد أمنيات أو شعارات.

فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فهذا هو الشرط الذي أخبر به الصادق المصدوق، العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتمسك بمنهج السلف الصالح.

#خير_أمة #المسلمون #الإسلام #العزة #التمكين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى