العنجهة الإسرائيلية والخوف من نصر الله الموعود
العنجهة الإسرائيلية والخوف من نصر الله الموعود
حصة عبدالله الحاي السليطي
من ظنّ أن القوة تُقاس بعنجهية المنصات الدولية، فقد أخطأ قراءة التاريخ. فمشاهد إسرائيل في الأمم المتحدة، من خطاب بنيامين نتنياهو إلى الاستعراضات التي أعقبته، لا تعكس قوة مطلقة بقدر ما تكشف عن كبرياء مجروح وعزلة تتسع يوماً بعد يوم.
وحتى مشهد السفير الإسرائيلي داني دانون وهو يعرض جهاز (ستارلينك) على ممثل الوفد الإيراني بدا أقرب إلى استعراض إعلامي منه إلى عمل دبلوماسي.
ثمانون عاماً تقريباً من الاستعلاء الإسرائيلي لم تعد قادرة على إخفاء حقيقة التحولات الكبرى في المنطقة. إسرائيل 1948 التي احتمت ببريطانيا وواجهت جيوشاً عربية، وإسرائيل 1956 المدعومة بفرنسا وبريطانيا، وإسرائيل 1967 التي صنعت من انتصارها أسطورة عسكرية، وإسرائيل 1973 التي خرجت من الحرب إلى مسار التسويات، كلها صفحات من تاريخ مختل، بل ماضياً من الأمس.
اليوم نحن أمام عصر جديد دشّنه السابع من أكتوبر، حيث أعادت المقاومة الفلسطينية رسم صورة الصراع، وأظهرت أن التفوق العسكري لا يعني القدرة على إنهاء إرادة الشعوب.
ومن غزة إلى لبنان، تبدلت المعادلات، وأصبح الإسرائيلي يواجه خصوماً متعددين وساحات مفتوحة، فيما تتزايد الأسئلة حول حدود القوة وقدرتها على فرض واقع دائم.
وفي قلب هذه المعادلة يقف لبنان ومقاومته، حيث أصبح اسم حسن نصر الله حاضراً في خطاب أنصاره بوصفه رمزاً للمواجهة والصمود، بينما يظل (النصر الموعود) عقيدة وأملًا دينياً وسياسياً لدى المؤمنين به، لا موعداً يمكن للبشر تحديده، ولكنه آت ولو بعد حين، ومن أصدق من الله حديثا.
والقرآن الكريم يضع سنناً للتاريخ لا تتبدل بتبدل أسماء الغزاة؛ يقول تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا)، ثم يقول: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)، وفي ختام الآيات: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا).
وهنا يكمن جوهر الرسالة، العنجهية لا تصنع خلوداً، والجبروت لا يمنح صاحبه ضمان البقاء. فالتاريخ مليء بإمبراطوريات ظنت أن قوتها أبدية، ثم غابت. وما يبدو اليوم صراعاً مفتوحاً قد يكون بداية مرحلة جديدة، عنوانها سقوط أوهام الهيمنة، وبروز معادلات لم تكن إسرائيل تتوقعها، وقد استوت بفضل الله ثم بثبات الأتقياء.
مشهد نتنياهو أمام قاعة شبه فارغة لم يكن مجرد لقطة عابرة في أروقة الأمم المتحدة، فالمشهد، سياسياً ورمزياً، يحمل دلالات تتجاوز دقائق الخطاب.
انسحاب وفود ومقاطعة الكلمة يضعان رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام صورة يصعب على خطاب القوة إخفاؤها، اتساع الفجوة بين إسرائيل وقطاعات متزايدة من الرأي العام الدولي.
فيما تواصل قطر حضورها في مساحات التأثير الناعم، من الجامعات والإعلام إلى المبادرات الموجهة للشباب، بما يعكس أهمية بناء الوعي والتأثير في الأجيال الجديدة بدل الاكتفاء بمنطق القوة الصلبة.
وفي قراءة لغة الجسد، يمكن ملاحظة التوتر والحذر في أداء المتحدث وطريقة تحركه ونظراته، وهي إشارات قد يفسرها المراقبون بوصفها انعكاساً لضغط سياسي ونفسي كبير، لكن لا يمكن الجزم من لغة الجسد وحدها بما يدور في داخله.
أما المفارقة الأوسع فتتعلق بصورة القوة نفسها، فإسرائيل التي طالما قدمت نفسها باعتبارها صاحبة اليد العليا تجد نفسها أمام تحديات متراكمة، من غزة ولبنان إلى إيران واتساع الانتقادات الدولية.
وفي الخطاب الإسرائيلي، كثيراً ما تُقدَّم هذه التحديات باعتبارها تهديدات وجودية وأمنية، ولذلك فإن مشهد القاعة الفارغة يمكن قراءته باعتباره رمزاً سياسياً للعزلة والقلق أكثر من كونه مجرد حادث بروتوكولي.
وما يلفت النظر أن مصدر القلق ليس بالضرورة ما تعلنه الولايات المتحدة أو حلفاؤها، بل ما تكشفه التحولات المستقلة في موازين القوة والمعلومات والتكنولوجيا.
أما الحديث عن حصول الصين على أسرار تتعلق بطائرات F-35، دلالته السياسية، ستكون كبيرة لأنها تمس إحدى أهم ركائز التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي والإسرائيلي.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي هل الخطر الذي تواجهه إسرائيل هو فقط ما تعرفه واشنطن أم أن هناك تحولات أعمق تتشكل خارج نطاق السيطرة الأمريكية ويهدد إسرائيل قبل أمريكا؟.



