البر والعقوق.. كما تُدين تُدان
البر والعقوق.. كما تدين تدان
حصة عبدالله الحاي السليطي
من أعظم ما دعا إليه الإسلام، وأكد عليه القرآن الكريم والسنة النبوية، بر الوالدين والإحسان إليهما، وجعل ذلك من أجلِّ القربات وأعظم الطاعات بعد توحيد الله سبحانه وتعالى.
فالوالدان هما باب من أبواب الرحمة، ومن أعظم النعم التي تستوجب الشكر والوفاء.
قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23).
تأملوا كيف قرن الله تعالى الإحسان إلى الوالدين بعبادته، ثم خص مرحلة الكبر بالذكر، لأن الإنسان في ضعفه وحاجته يصبح أكثر احتياجاً إلى الرعاية والصبر والرحمة، وهي المرحلة التي ينبغي أن يرد فيها الأبناء شيئاً من جميل ما قدمه لهم آباؤهم وأمهاتهم في سنوات العمر الأولى.
وقال سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (الأحقاف: 15)، وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان: 14).
وجاءت السنة النبوية مؤكدة لعظم هذا الباب. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: “الصلاة على وقتها”، قلت: ثم أي؟ قال: “بر الوالدين”، قلت: ثم أي؟ قال: “الجهاد في سبيل الله”- متفق عليه.
وليس البر مجرد تقديم المال أو قضاء بعض الحاجات، بل هو كلمة طيبة، وابتسامة صادقة، وصبر على ما قد يصدر منهما، وسؤال دائم عن أحوالهما، وإشعارهما بأنهما ما زالا في موضع المحبة والتقدير والاهتمام.
وفي المقابل، فإن العقوق من أعظم الذنوب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟” قالها ثلاثاً، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: “الإشراك بالله، وعقوق الوالدين”- متفق عليه.
ولعل من أعظم ما ينبغي أن يتذكره الإنسان أن الحياة لا تسير عبثاً، وأن ما يزرعه المرء اليوم سيحصد ثماره غداً.
فمن أحسن إلى والديه، وأكرمهما، وصبر عليهما، ورعاهما في ضعفهما، فليأمل أن يرى من أبنائه ما يسر قلبه، لأن البر لا يضيع، والإحسان لا يذهب سدى.
ومن عقَّ والديه، وأهانهما، وأعرض عنهما، أو جعلهما يشعران بأنهما عبء ثقيل عليه، فليحذر أن يأتي عليه يوم يحتاج فيه إلى أبنائه، فيجد منهم الجفاء نفسه الذي أذاق والديه مرارته.
“كما تدين تدان”، ليست مجرد عبارة تتردد على الألسن، بل معنى عظيم من معاني العدل والجزاء.
قد يُمهل الإنسان، وقد لا يرى أثر عمله سريعاً، لكن الأيام دول، والأبناء يراقبون ويتعلمون، وما يشاهدونه من آبائهم اليوم قد يصبح سلوكاً يمارسونه غداً.
فلنبرَّ آباءنا وأمهاتنا ما داموا بيننا، ولنغتنم وجودهما في حياتنا قبل أن يصبح البر أمنية لا سبيل إلى تحقيقها.
ولنتذكر دائماً إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، برٌّ اليوم، يُرجى أن يكون برّاً غداً، وعقوق اليوم قد يكون عقوقاً نذوق مرارته في أبنائنا قبل حساب الآخرة، ولا يظلم ربك أحدا.
اللهم أعنّا على بر والدينا، وارحم من رحل منهم، وبارك في أعمار من بقي، واجعلنا وإياهم من أهل البر والإحسان.
#بر_الوالدين



