العولمة في أساسها “سعي موجَّه وجهود مبذولة لتخطيط وتمويل لتصيير المحلي عالمياً”، فهي وصف لعمل مستمر تدل عليه كلمة Globalization، لكنها في الوقت نفسه وصف لبعض نتائج هذا التعولم المنشود، تلك النتائج التي يُراد الوصول إليها، دون مراعاة لفوارق الأديان والثقافات والقيم والأخلاق.
العولمة الثقافية، هي في حقيقتها واحدة من آليات الصراع الحضاري، أو صراع الحضارات، وتهدف بشكل مباشر إلى طمس معالم ثقافات وحضارات الآخرين الأصيلة، لتُستبدل بها ثقافة الغرب المنبتة عديمة الجذور. وتستهدف العولمة الثقافية -في ظل صراع الحضارات- الأسرة المسلمة وتفكيكها، والشباب المسلم وإلهائه وتغريبه، وعزله عن أصله الإسلامي وثقافته وقضاياه وأمته الإسلامية، وإضعافه عقدياً وفكرياً، والتشكيك في قناعاته الدينية وهويته الثقافية، وجرّه -بالسوشيال ميديا وغيرها- نحو تضييع الوقت وشغله بتوافه الأمور وساقط القضايا والأخبار، بشكل يجعله واهي العقيدة، ضعيف القيم، مذبذباً من الداخل، قابلاً للانقياد بكل استسلام ورضى تام، وذلك هو الخطر المحدق على الأمة المسلمة، وعلى الدول والشعوب، إذ إن الوهن الفكري والاستلاب الثقافي الذي يعتري الأفراد إنما يصيب الشعوب، ويفت في عضد الدول.
لقد استشرى فينا الاستلاب الثقافي، وتمكّن منّا حتى تركنا الكثير من منهج ديننا بسماحته، واتبعنا ملّة الكفر من اليهود والنصارى، وقلدناهم في كل ما فعلوه من أفعال محرمة، وأخلاق ذميمة، وبدع محدثة، وعادات فاسدة، وتصرفات رعناء وسلوكيات سقيمة
الاستلاب الثقافي في مظهره وجوهره يتنافى مع القيم الموروثة والعادات السائدة، ويؤدي إلى إظهار قيم وعادات وسلوكيات دخيلة على مجتمعنا، تتنافى مع ما هو سائد، ولا تمت بصِلة لموروثاتنا الحضارية. وهو في حقيقته انبهار بعادات وثقافات الآخر الدخيلة علينا، والتي ليس لها رابط وجداني ولا أخلاقي في مجتمعنا العربي المسلم، ولا ينتج عن ذلك إلا مسخ شائه مُنبت، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
نحن مجتمع مسلم أعزّنا الله بالإسلام، وأكرمنا بالشريعة الإسلامية، وبيّن لنا معالم الطريق بالقرآن الكريم وسُنّة رسوله، وما الاستلاب الثقافي الذي نعيشه ونعايشه في مجتمعاتنا إلا واحدة من الآفات التي يجب التصدي لها بقوة، ولن يتأتى ذلك إلا بالعودة إلى الجذور -جذور ثقافتنا الإسلامية- والبُعد عن ثقافة الغرب ومحاربتها بكل السبُل، وعلى رأسها أرباب الأسر وربات البيوت، ووسائل الإعلام، والمدارس، والمساجد، وأهل القُربى والجيرة والرحم، وليس هنالك دعوة أبلغ من التي تأتي ممن تربطهم روابط القُربى والقبيلة والمعرفة الممتدة للشباب وآبائهم وأمهاتهم وأجدادهم، ففي ذلك متسع للحكمة والموعظة الحسنة، وفي ذلك مساحات لن يصل إليها داعية عابر ولا معلم غير ذي صلة.
لقد استشرى فينا الاستلاب الثقافي، وتمكّن منّا حتى تركنا الكثير من منهج ديننا بسماحته، واتبعنا ملّة الكفر من اليهود والنصارى، وقلدناهم في كل ما فعلوه من أفعال محرمة، وأخلاق ذميمة، وبدع محدثة، وعادات فاسدة، وتصرفات رعناء وسلوكيات سقيمة. أكلوا الربا فأكلنا غير نادمين، دعونا إلى كل ما يخالف الفطر السوية والشرائع الربانية فما أنكرنا فعلهم، بل فعلنا ما فعلوا، والأسوأ من ذلك وأضل سبيلاً أن صار بعضنا -من بني جلدتنا- يدافع عنهم وعن قذاراتهم وانحطاطهم بدوافع واهية، وحجج واهنة وتدليس مكشوف، وهؤلاء أخطر على مجتمعاتنا وأسرنا وشبابنا فلنحذرهم. والمؤسف أن هؤلاء الذين فتنهم الغرب، يرون أن الغرب هو الذي أحدث التنمية الشاملة في بلداننا التي احتلها بقوة السلاح، وهو قد نهب ثرواتنا من أجل تنمية بلدانه وليس من أجلنا.
من نماذج ممارسات الاستلاب الثقافي التي تتعارض مع ديننا الإسلامي وشريعته الغراء، ما يُسمّى بـ “اليوغا” التي وفدت إلينا في ظل حرب الأفكار، والغزو الثقافي الموجّه بتخطيط لمجتمعاتنا المسلمة
لقد حذَّر رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الاستلاب الثقافي وتقليد الكفار.. عن أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لَتَتَّبِعُنّ سَنَن مَن قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جُحْر ضبّ لسلكتُموه، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: فمن؟ (رواه الشيخان). في هذا الحديث يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في واحدة من من علامات نبوته، ودلالة من دلالات صدق رسالته، حيث أخبر بغيب أنه سيكون بعده، فكان ذلك كما نرى ونشاهد اليوم، فعُلِم أنه مما أوحى الله إليه صلى الله عليه وسلم.
من نماذج ممارسات الاستلاب الثقافي التي تتعارض مع ديننا الإسلامي وشريعته الغراء، ما يُسمّى بـ “اليوغا” التي وفدت إلينا في ظل حرب الأفكار، والغزو الثقافي الموجّه بتخطيط لمجتمعاتنا المسلمة، والتي تقوم على الشرك بالله والكفر برب العالمين، وجعل “الإله شيفا” -إله اليوغا واليوغي الأول كما يقولون- بمثابة “الرّب” وأن تتمثّل أنت تلك “الألوهية” في ذاتك، وكأنك أنت “الإله شيفا”، من أجل الصحة والسعادة.. إلخ. فلا حول ولا قوة إلا بالعلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. نعم، يحدث ذلك والآباء والأمهات في غفلة عما يجري حولهم من أخطار مُحدقة.
العولمة الحضارية تهدف إلى تعزيز الاستلاب الثقافي لدى المسلمين من خلال عدة آليات تؤثر على هويتهم الثقافية والدينية. الاستلاب الثقافي في هذا السياق يشير إلى تآكل أو تراجع القيم والممارسات الثقافية الأصلية لصالح قيم وثقافات أخرى وافدة، وهو أمر يتجسد في تأثيرات متعددة، من أبرزها انتشار الثقافة الغربية، إذ إن العولمة الحضارية تعمل على نشر الثقافة الغربية بشكل واسع من خلال وسائل الإعلام، والإنترنت، والمنتجات التكنولوجية، ما يؤدي إلى تغريب الأفراد عن ثقافاتهم الأصلية.
يجب التأكيد على أن الصراع في العالم الآن، وبعد الحرب الباردة، هو صراع ثقافي فكري بحت، يدور تخطيطه وتنفيذه حول “الفرد المسلم”، وبخاصة المرأة والشباب، ويستهدف الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم
كثير من المسلمين قد يتعرضون لتأثيرات هذه الثقافة الغربية في مجالات مثل نمط الحياة، والموضة، واللغة، وأسلوب التفكير، ما يؤدي إلى تقليد هذه القيم والأعراف، كما أن العولمة الحضارية تهدف لتغيير الأنماط الاجتماعية التقليدية في المجتمع الإسلامي، مثل العلاقات الأسرية، وأدوار الجنسين، والممارسات الدينية، حيث تحاول بعض قيم العولمة فرض مفاهيم جديدة قد تتناقض مع القيم الدينية والاجتماعية في المجتمعات المسلمة، وللعولمة الاقتصادية والتجارية دور مهم في تعزيز الاستلاب الثقافي. ومع تزايد تأثير العولمة الحضارية، يواجه المسلمون تحدياً في الحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية وسط هذا التأثير الخارجي.
لقد استشرى الاستلاب الثقافي، وتمدد كالسرطان في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وأصبح يمارسه -في أشكال مختلفة وأنواع متعددة- كثير من مشوّهي العقيدة، ضعيفي الإيمان، عديمي التربية، ومن المؤسف أن بعضه يرقى لدرجة الشرك والكفر بالله رب العالمين، والأكثر أسفاً أن الشباب يفعلون ذلك ظناً وتوهماً منهم أن ذلك من الإسلام، والإسلام بريء من ذلك، ولا يدري هؤلاء أنهم يخسرون دينهم وآخرتهم ببعدهم عن عقيدتهم وجذورهم وعاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم، المبنية على أسس وضوابط ديننا الحنيف، ويتمسكون بقشور ثقافات وافدة وحضارات بائدة، لا تصلح لدين ولا لدنيا.
ختاماً.. يجب التأكيد على أن الصراع في العالم الآن، وبعد الحرب الباردة، هو صراع ثقافي فكري بحت، يدور تخطيطه وتنفيذه حول “الفرد المسلم”، وبخاصة المرأة والشباب، ويستهدف الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم. وإن قوة الدولة تُقاس بمدى تحصين أفرادها ضد الاستلاب الثقافي، وكذلك بمدى قدرتها على حماية أمنها الفكري والثقافي.



