رحمة للعالمين- الأشياء كانت تأنس برسول الله
حصة عبدالله الحاي السليطي
لقد اختص الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بخصائص عظيمة ومعجزات باهرة، تدل على صدق رسالته ورفعة مكانته، ومن أعجب تلك المعجزات أن الكون من حوله كان يتفاعل معه ويأنس به، وكأن المخلوقات كلها تعرف قدره ومنزلته عند ربها.
ولم يكن ذلك مستغرباً، فهو النبي الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، فرحمته لم تشمل الإنسان وحده، بل امتدت إلى الحيوان والنبات والجماد.
ومن أشهر الشواهد على ذلك حنين جذع النخلة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عنده قبل اتخاذ المنبر، فلما فارقه صاح الجذع وحنّ حنيناً شديداً حتى سمع الصحابة صوته.
وقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل من منبره فاحتضن الجذع حتى سكن، في مشهد مؤثر يدل على أن الجمادات كانت تتأثر بقربه وتأنس بوجوده المبارك.
ومن دلائل ذلك أيضاً ما رواه الصحابة من سماع تسبيح الحصى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنها تستجيب لقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن»، فكان الحجر شاهداً على نبوته قبل أن يعرفه الناس رسولاً.
ولم تقف هذه المظاهر عند الجمادات، بل امتدت إلى الأشجار التي كانت تطيعه بإذن الله تعالى.
فقد روى مسلم أن شجرتين اجتمعتا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ثم افترقتا بعد ذلك، فكانت طاعتهما له آية من آيات الله الباهرة.
وكأن هذه الأشجار تدرك مقام من قال الله تعالى في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
أما الحيوانات فقد كانت أكثر إظهاراً لمشاعرها تجاهه، لأنها كانت تجد عنده الرحمة والرفق والحنان.
فقد دخل صلى الله عليه وسلم بستاناً لأحد الأنصار، فرأى جملاً يبكي، فاقترب منه ومسح رأسه حتى هدأ، ثم قال لصاحبه: “أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها؟”.
وفي موقف آخر رأى طائراً يضطرب لفقد فراخه بعدما أخذها بعض الصحابة، فأمر بردها إلى أمها، ليعلم الأمة كلها أن الرحمة تشمل جميع المخلوقات.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: “الراحمون يرحمهم الرحمن”، وكان أول من جسّد هذا الخلق العظيم في حياته وسلوكه مع الإنسان والحيوان على السواء.
وقد شهد له ربه بهذا الخلق الرفيع فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فكانت رحمته سبباً في أن تألفه القلوب، وتأنس به النفوس، وتحبه المخلوقات كلها.
إن هذه المواقف العظيمة تكشف جانباً من مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى، وتؤكد أن رسالته لم تكن رسالة بشر إلى بشر فحسب، بل كانت نوراً عمّ الكون كله، حتى إن الجمادات والحيوانات والنباتات تجاوبت معه، وأنست بقربه، وشهدت بصدق نبوته، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.



