ترامب واللوبي الصهيوني: استراتيجيات السيطرة الأمريكية وسط تحديات الصين وإيران

حصة عبدالله الحاي السليطي
تتصاعد حدة الأزمات الداخلية والخارجية التي تواجه الولايات المتحدة، وسط صعود متجدد لدونالد ترامب الذي يسعى عبر مشروع “مارشال” إلى فرض نظام جديد عبر إعلان الأحكام العرفية وتعليق الدستور، في محاولة لإعادة هيبة الولايات المتحدة وقوتها العالمية. يرى ترامب في هذا المشروع الطموح طريقاً وحيداً لمنع انهيار بلاده، ويعتمد على تحشيد عسكري وسياسي واسع لتبرير هذه الخطوات الجذرية.
يقف خلف عودة ترامب بقوة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، الذي يرى في عودته فرصة ذهبية لتعزيز النفوذ الإسرائيلي في الشرق الأوسط وضمان تنفيذ مخططات السيطرة الصهيوغربية على الإقليم. هذا اللوبي يمتلك نفوذاً واسعاً داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، ويساهم بفعالية في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية، مما يجعل ترامب شريكاً حيوياً في مشروع توسع إسرائيل الاستراتيجي.
تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد التوترات مع إيران، التي باتت الدولة العاشرة نووياً وتتمتع بحلف استراتيجي مع روسيا والصين، الأمر الذي يشكل تهديداً وجودياً للمشروع الصهيوغربي. ويرى اللوبي الصهيوني أن ضرب البرنامج النووي الإيراني ضرورة حتمية للحفاظ على أمن إسرائيل، وهو ما يضع ترامب في مواجهة مباشرة مع محور المقاومة الذي يسعى لتوسيع نفوذه.
على الصعيد الجيوسياسي، يواجه ترامب أزمة متشابكة مع الصين التي تعزز نفوذها في إفريقيا والشرق الأوسط، مستفيدة من نقاط ضعف الولايات المتحدة. لم تعد الصين مجرد منافس اقتصادي، بل تحولت إلى لاعب قوي في السياسة والأمن الإقليمي، تدعم جماعات مثل الحوثيين في اليمن، وتُعزز تحالفاتها مع باكستان وروسيا، مما يجعل أي محاولات أمريكية لفرض هيمنتها في المنطقة معقدة ومكلفة.
تعكس هذه الخلافات تجاذبات عميقة داخل واشنطن، حيث يظهر تباين واضح في المواقف تجاه الحرب الأوكرانية-الروسية. ترامب ينتقد التصعيد الأمريكي ويدعو إلى تقليل التدخل، معتبرًا أن استمرار الحرب يضر بمصالح الولايات المتحدة ويعزز قوة روسيا، بينما تواصل المؤسسة السياسية الأمريكية العميقة سياسة التصعيد، مما يزيد الانقسام الداخلي ويضعف وحدة القرار الوطني.
في الداخل الأمريكي، تشهد البلاد توتراً متصاعداً على خلفية سياسات ترامب وتصعيده، حيث يجري التحشيد العسكري والاحتفالات الرسمية التي ترمز إلى القوة، في مقابل مظاهرات واسعة تمتد لمئات المواقع، وتعكس رفضاً شعبياً متزايداً لسياساته. كل هذه التطورات تشير إلى احتمالات متزايدة لحرب أهلية أو تفكك الاتحاد الأمريكي في المستقبل القريب.
تستغل إسرائيل واللوبي الصهيوني هذا الوضع الدولي المضطرب لتسريع مخططها في الشرق الأوسط، من خلال توجيه ضربات استباقية محتملة ضد إيران، وإعادة رسم خريطة التحالفات السياسية والعسكرية. ويتجلى ذلك في محاولات فرض “السيناريو السوري” على مصر، الذي قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية خطيرة، ما يستدعي إما مصالحة وطنية شاملة أو انقلاب عسكري وطني للحفاظ على استقرار البلاد.
تشير المكالمة المسربة بين ترامب والرئيس المصري إلى قلق أمريكي صهيوني مشترك من تحركات الحوثيين وتأثيرهم على قناة السويس، الشريان الحيوي الذي يمثل نقطة التقاء استراتيجية بين الشرق والغرب. هذا القلق يعكس مدى تعقيد الصراعات الإقليمية وأبعادها الدولية التي تستخدمها قوى النفوذ لإعادة تشكيل موازين القوى.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال دور الصين وروسيا في مقاومة هذه المخططات، حيث تواصلان دعم محور المقاومة وتقوية تحالفاتهما في المنطقة، بما يشكل تحدياً مباشرًا للنفوذ الأمريكي-الإسرائيلي. هذه الدول تراهن على تحقيق توازن جديد في النظام الدولي يمنحها مزيداً من الدور والهيمنة، ويجعل من الصعب على الولايات المتحدة وحلفائها فرض إرادتهم بالقوة.
في ظل هذه التطورات، يواجه ترامب وحلفاؤه العديد من العوائق التي قد تؤدي إلى إفشال مشروع “مارشال” وإعادة الهيمنة الأمريكية التقليدية. تعقيدات الواقع الدولي، تداخل المصالح الإقليمية، وعدم الاستقرار الداخلي الأمريكي يشكلون حواجز جمة أمام تنفيذ هذه الاستراتيجية، مما يفتح الباب أمام تحولات جذرية في النظام العالمي.
ختاماً، إن الواقع الجديد الذي تفرضه هذه الأزمات المركبة سيؤدي إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، وسيكون له تأثيرات عميقة على مستقبل السياسة الدولية. في ظل تصاعد الصراعات وتحولات التحالفات، يظل السؤال الأكبر: هل ستنجح قوى الهيمنة في فرض مخططاتهم القديمة، أم أن العالم مقبل على فجر جديد من التغيير والتوازنات المختلفة؟



