الاحتلال الإسرائيلي وسياسة فرض واقع جديد في المنطقة
الاحتلال الإسرائيلي وسياسة فرض واقع جديد في المنطقة
حصة عبدالله الحاي السليطي
ليس جديداً على الاحتلال الإسرائيلي أن يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في المنطقة بما يخدم مصالحه، لكن الجديد هو اتساع نطاق هذه المحاولة وتزامنها مع واقع إقليمي مأزوم، تتداخل فيه الحروب والأزمات والتوترات، بما يتيح للاحتلال ما يمكن وصفه بـ«الصيد في الماء العكر».
وتبدو التحذيرات القطرية من سعي إسرائيل إلى فرض واقع جديد أبعد من مجرد توصيف للتطورات الجارية، فهي قراءة لمنهج ثابت تتغير أدواته، بينما تبقى غايته واحدة، تكريس الهيمنة وتوسيع هامش الحركة وفرض حقائق يصعب التراجع عنها لاحقاً.
فمنذ عقود، أثبتت التجربة أن الاحتلال الإسرائيلي لا يتعامل مع الأزمات باعتبارها ظروفاً مؤقتة فحسب، بل يسعى إلى تحويلها إلى فرص استراتيجية.
وما يحدث اليوم في الضفة الغربية والقدس وغزة، وما يرتبط بالتطورات في لبنان وسوريا، يندرج في سياق محاولة استثمار حالة الانشغال الإقليمي والدولي لتغيير معادلات قائمة، وخلق أمر واقع جديد تحت عناوين أمنية وعسكرية، بينما تتجاوز تداعياته في كثير من الأحيان حدود تلك العناوين.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الراهنة، فكلما اتسعت دائرة التصعيد، أصبح من الأسهل تمرير خطوات كان يصعب تمريرها في ظروف أكثر استقراراً. ولذلك فإن التعامل مع الإجراءات الإسرائيلية باعتبارها مجرد ردود فعل على الحرب أو على التوترات الأمنية قد يؤدي إلى إغفال بعدها الاستراتيجي.
فالاحتلال الاسرائلي وفق القراءة التي يعكسها الموقف القطري، لا يتحرك فقط لإدارة أزمة، وإنما يحاول إعادة هندسة البيئة المحيطة به بما يرسخ تفوقه ويضع المنطقة أمام حقائق جديدة.
مما يستوجب أهمية تفعيل المسار الدبلوماسي الذي تتمسك به دولة قطر، عبر الاتصالات مع الشركاء الإقليميين والدوليين ودعم جهود الوساطة والعودة إلى المسار التفاوضي.
فترك الأزمات مفتوحة لا يهدد الأمن والاستقرار فحسب، بل يمنح الأطراف الأكثر قدرة على استخدام القوة فرصة أكبر لفرض رؤيتها على الأرض. مما يجعل وقف التصعيد وإعادة الاعتبار للحلول السياسية ضرورة تتجاوز معالجة أزمة بعينها إلى منع إعادة تشكيل المنطقة بالقوة.
كما أن أزمة مضيق هرمز تكشف أن استمرار التصعيد لن يبقى محصوراً في جغرافيا المنطقة، فآثاره تمتد إلى الطاقة والصناعات الدوائية والاقتصاد العالمي، الأمر الذي يجعل الاستقرار مسؤولية دولية مشتركة.
إن الاحتلال الإسرائيلي، وإن غيّر وسائله بين العمل العسكري والضغط السياسي واستثمار الأزمات، لم يغيّر جوهر منهجه القائم على فرض الوقائع وتوسيع دائرة النفوذ.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الفوضى الإقليمية إلى بيئة تسمح بتثبيت هذه الوقائع. ومواجهة ذلك لا تكون بتوسيع دائرة الصراع، وإنما بمنع الإفلات من المساءلة، ودعم الدبلوماسية، وحماية حقوق الشعوب، والحيلولة دون تحويل الأزمات العابرة إلى خرائط سياسية وأمنية دائمة.
#قطر #الخارجية_القطرية #السياسة_الخارجية #العلاقات_الدولية #فلسطين #غزة #الخليج



