هذا هو الزلزال الحقيقي
هذا هو الزلزال الحقيقي
حصة عبدالله الحاي السليطي
شهدت إحدى الدول خلال الأيام الماضية حدثاً هزَّ الأرض وأثار اهتمام الناس ووسائل الإعلام، وانشغل النقاش حوله بطبيعته، وقوته، ومركزه، والأضرار التي خلفها، والأرقام التي سجلها على مقياس ريختر. وهذا أمر طبيعي، فالزلزال ظاهرة كونية لها أسبابها الجيولوجية المعروفة، وللعلم دوره في تفسيرها ورصدها ومحاولة الحد من آثارها.
لكنني تأملت في جانب آخر من هذا الحدث، ورأيت أن كثيراً من النقاش حول الزلازل يظل أسير الظاهرة المادية، حتى إن البعض يسارع إلى القول إن هذا الزلزال غضب من الله وعقوبة منه، وكأننا نملك أن نحكم على أقدار الله ونحدد مقاصدها في حادثة بعينها.
والحقيقة أن المؤمن يقف عند هذه الظواهر موقفاً أعمق من ذلك، فيؤمن أن الزلزال قدر من أقدار الله، وقع بعلمه ومشيئته، وأن في هذا الكون سنناً وأسباباً، لكنه في الوقت نفسه لا يتجاوز حدود ما علمه الله له، فلا يجزم بأن كارثة بعينها عقوبة، ولا يمنع نفسه من الاتعاظ بها والتذكير بقدرة الله.
فالزلزال مهما بلغت قوته، ليس هو الزلزال الأعظم الذي ينبغي أن يستوقف المؤمن. هناك زلزال أخبرنا الله عنه، وسمّاه زلزلة الساعة، وهو أعظم من كل ما عرفته الأرض من زلازل، وأشد هولاً من كل ما سجله مقياس ريختر، وأعظم أثراً من كل كارثة عرفها البشر.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: 1).
تأملوا التعبير القرآني: “شيء عظيم”. ليست هزة عابرة، ولا حدثاً جيولوجياً محدوداً في بقعة من الأرض، وإنما زلزلة تهتز لها أركان الوجود، ويقف الإنسان أمامها مجرداً من كل ما كان يتكئ عليه في الدنيا.
ويقول سبحانه في سورة الزلزلة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ (الزلزلة: 1-3).
ذلك هو الزلزال الحقيقي، يوم لا تكون الأرض التي نمشي عليها مستقرة تحت أقدامنا، ولا تكون الجبال التي حسبناها ثابتة كما عهدناها، ولا تكون الدنيا التي شغلتنا طويلاً قادرة على أن تمنحنا لحظة أمان.
ويصف القرآن ذلك المشهد وصفاً يهز القلب قبل الأرض: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: 2).
أي زلزال يمكن أن يبلغ هذا المدى؟ وأي مقياس يستطيع أن يقيس رجفة القلوب في ذلك اليوم؟ وأي جهاز يمكنه أن يرصد زلزالاً يذهل الأم عن رضيعها، ويجعل الناس في حال تشبه السكر من شدة الهول؟.
إننا نقيس زلازل الدنيا بالأرقام والدرجات، ونحدد قوتها على مقياس ريختر، ونتحدث عن عمق البؤرة ومركز الهزة، وهذا كله من العلم النافع الذي يعين الإنسان على فهم الظواهر وحماية الأرواح. لكن هناك مقياساً آخر ينبغي ألا ننساه،إنه مقياس العبرة والاعتبار، فالزلزال الذي يهز الأرض ينبغي أن يهز فينا شيئًا آخر ويخرجنا من غفلتنا.
وحين نرى الأبنية تهتز، ينبغي أن نتذكر أن كل ما في الدنيا قابل للزوال، وحين نرى الإنسان يخرج من بيته مذعوراً لا يدري ماذا سيحدث بعد لحظات، ينبغي أن نتذكر أننا جميعاً في رحلة إلى الله، وأن الأمن الحقيقي ليس أمن الجدران، وإنما أمن القلب بالله.
وليس المطلوب أن نفسر كل زلزال بأنه غضب إلهي، أو أن نشير بأصابع الاتهام إلى قوم بعينهم، فهذا من القول على الله بغير علم، فقد تقع المصائب بالمؤمن والكافر، وقد تكون للمؤمن ابتلاءً ورفعاً للدرجات، وقد تكون تذكيراً للغافلين، وقد تجري ضمن السنن الكونية التي أودعها الله في خلقه، والله وحده أعلم بحقيقة الحكمة في كل قدر.
لكن المطلوب منا أن نتعظ.
فالقرآن لا يذكر أحداث الكون لمجرد الخبر، وإنما يفتح من خلالها أبواب الاعتبار، وإذا اهتزت الأرض من تحت أقدامنا، فلنسأل أنفسنا بصدق.. هل اهتزت قلوبنا من خشية الله؟ وإذا تصدعت الأبنية، فهل راجعنا ما تصدع في حياتنا من صلة بالله؟ وإذا شعرنا أن الدنيا ليست آمنة كما كنا نظن، فهل أعددنا أنفسنا لليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون؟
إن أعظم ما ينبغي أن تفعله بنا زلازل الدنيا أن تذكرنا بزلزلة الآخرة، وأن تجعلنا نعود إلى الله قبل أن يأتي يوم العودة الذي لا مهرب منه.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (النمل: 88)، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾ (المزمل: 14).
فيا من رأيت زلزالاً يهز الأرض، لا تجعل العبرة في عدد ضحاياه أو قوته على مقياس ريختر فقط، بل اجعل لك معه وقفة مع الله.
تُب إلى الله قبل أن يأتي يوم لا تستطيع فيه أن تتوب. وأصلح ما بينك وبين ربك قبل أن يأتي الزلزال الذي لا ينفع معه إصلاح. ورد المظالم إلى أهلها، وأصلح ما أفسدت، وصل رحمك، وأكثر من الاستغفار، وأحسن إلى الناس، فهذه هي الزلزلة التي ينبغي أن نخاف منها حقاً.
فالزلازل الأرضية، مهما اشتدت، لها نهاية، أما زلزلة الساعة فهي بداية اليوم الآخر.
ولعل أجمل ما نخرج به من زلازل الدنيا أن نتذكر أن الأرض التي نظنها ثابتة ليست كذلك، وأن الحياة التي نعيشها ليست دار قرار، وأن الإنسان مهما قوي فهو ضعيف أمام قدرة الله.
اللهم اجعل زلازل الدنيا لنا تذكرة لا نقمة، وعبرة لا غفلة، وردنا إليك رداً جميلاً. اللهم أيقظ قلوبنا قبل أن يأتي يوم الزلزلة الكبرى، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ذلك هو الزلزال الحقيقي… يوم تُرجُّ الأرض رجّاً، وتُدكُّ الجبال دكّاً، ويقف الإنسان بين يدي ربه، لا يحمل معه إلا ما قدم.
#الزلزال #الزلازل #زلزلة_الساعة #يوم_القيامة



