ترامب في المنطقة.. حسابات الربح والخسارة

خصة عبدالله الحاي السليطي
زيارة دونالد ترامب للشرق الأوسط لم تكن مجرد جولة دبلوماسية عابرة، بل حملت في طياتها رهانات سياسية عميقة، تباينت قراءاتها ما بين من رأى فيها محاولة لفرض أجندات خارجية على الشرق الأوسط عموماً والخليج على وجه الخصوص، ومن وجد فيها فرصة لإعادة رسم معادلات القوة والسلام في المنطقة، وفي خضم هذا التباين، يبرز التحليل الهادئ ليرى أن هذه الزيارة شكلت مكسباً استراتيجياً للعالم الإسلامي.
لقد سعى ترامب في زيارته إلى تقديم نفسه كرجل سلام عالمي، يسعى لنيل جائزة نوبل للسلام، متجاوزاً بذلك الصورة النمطية التي سعى اللوبي الصهيو-غربي إلى ترسيخها عنه كرئيس انعزالي أو صدامي، حيث أراد أن يُسجّل اسمه في كتب التاريخ كصانع للسلام في أكثر مناطق العالم تعقيداً وحساسية.
جاءت الزيارة في وقت أظهرت فيه تركيا موقفاً حاسماً تجاه القضية الفلسطينية، ورفضاً واضحاً للتدخلات الأجنبية في سوريا. وقد أعادت هذه المواقف التوازن لخطاب العالم الإسلامي، مما شكل أرضية قوية للحديث عن السلام من موقع قوة، لا من موقع الضعف أو التنازل.
برزت السعودية خلال زيارة ترامب كدولة محورية تمتلك رؤية متكاملة للسلام والاستقرار في المنطقة، حيث استثمرت الزيارة لتأكيد التزامها بتعزيز الشراكات الاقتصادية والسياسية، والانفتاح على العالم بمسؤولية تتسق مع مكانتها ودورها المطلوب دون أن تتخلى عن دعمها للقضية الفلسطينية دون التنازل عن ثوابت الأمة.
لعبت قطر دوراً متوازناً في التعامل مع ملفات الزيارة، إذ جمعت بين الواقعية السياسية والدبلوماسية النشطة، فأكدت على أن السلام العادل لا يمكن أن يتم على حساب الحقوق الفلسطينية، وطرحت نفسها كشريك يمكن الوثوق به في هندسة التفاهمات المستقبلية، وأكدت قطر أنها الرقم الأكبر في التسويات السياسية في المنطقة، فالدوحة تعد شريكاً وصديقاً مهماً لواشنطن، ورفيق درب في جهود السلام والاستقرار في المنطقة والعالم، وتزايدت جهود الوساطة القطرية في المنطقة والعالم، كما حدث في لبنان وأفغانستان وشمال إفريقيا.
أظهرت هذه الزيارة أن العالم الإسلامي لم يعد رقماً مهمشاً في معادلات السياسة العالمية، بل هو فاعل حقيقي يمتلك القدرة والقوة، فالمواقف التركية والسعودية والقطرية دلّت على تنامي دور القيادات الإسلامية في صناعة القرار الإقليمي، لا سيما في الملفات المتعلقة بفلسطين وسوريا واليمن.
ما ميّز زيارة ترامب أنها كشفت عن تحولات في طريقة تعاطي الدول الإسلامية مع واشنطن عكس ما كان سائداً في السابق، إذ لم تعد العلاقة محصورة في منطق التبعية أو التحالف الأعمى، بل أصبحت قائمة على التفاوض والندية وتحديد المصالح بوضوح.
ساهمت الزيارة في تعزيز التفاهمات بين القوى المؤثرة في المنطقة، حيث تم التمهيد لإطلاق مشاريع تنموية وأمنية مشتركة، تعزز الاستقرار وتحاصر جذور التطرف، وهو ما يصب في مصلحة شعوب المنطقة ومستقبلها السياسي والأمني والاقتصادي بدون مخاوف أو ارتياب.
رغم محاولات بعض القوى تهميش القضية الفلسطينية، إلا أن الزيارة أبرزت أنها لا تزال في صلب أولويات العالم الإسلامي، وأن حلها مرتبط بمكانة القدس عند المسلمين، فالمواقف الواضحة من السعودية وتركيا وقطر أكدت أن أي حديث عن السلام لا يمكن أن يتم بمعزل عن الحقوق التاريخية والمكتسبة للشعب الفلسطيني.
الزيارة شكّلت، بشكل غير مباشر، رداً على الأجندة التي يسعى اللوبي الصهيو-غربي إلى فرضها على المنطقة، سواء من خلال تشويه صورة ترامب أو بتقزيم طموحات شعوب المنطقة، حيث كان نجاح الزيارة بمثابة كسر لتلك المنظومة الفكرية والإعلامية التي ترى المنطقة عاجزة عن المبادرة وواهنة عن تقديم رؤية.
في الختام، يمكن التأكيد على أن زيارة ترامب للشرق الأوسط لم تكن عبثية أو شكلية، بل مثّلت فرصة تاريخية لصياغة توازنات جديدة، انطلاقاً من إرادة الشعوب ومواقف قياداتها المشرّفة تجاه قضايا المنطقة ولا سيما القضية الفلسطسنية، وبذلك لقد ربحت المنطقة مكاسب سياسية ومعنوية كبيرة، وفرضت شروطها في معادلة سلام عالمي، لا يقوم على الإقصاء، بل على الاعتراف المتبادل والاحترام المشترك، ولا عزاء لمن يرون غير ذلك.



