المشروع الصهيوغربي في الشرق الأوسط- الأهداف والوسائل وسُبُل المواجهة

حصة عبدالله الحاي السليطي
يُشير مصطلح (المشروع الصهيوغربي في الشرق الأوسط) إلى مجموعة من السياسات والاستراتيجيات التي يُعتقد أن بعض القوى الغربية، بالتنسيق أو التلاقي مع المصالح الصهيونية، تنتهجها لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية، على حساب وحدة واستقرار الشعوب العربية والإسلامية، وهو امتداد واضح لمشاريع الاحتلال التي عرفها العالم العربي في القرن الماضي، لكنه يختلف في الوسائل فقط مع سعيه لتحقيق ذات الأهداف، فبينما كان الاستعمار القديم يعتمد على الاحتلال العسكري المباشر، يعتمد المشروع الحديث على أدوات أكثر نعومة وفعالية كالتفكيك الداخلي، والتدخل الاقتصادي، والتأثير الثقافي والإعلامي، مع الإبقاء على الهيمنة السياسية والموارد تحت السيطرة الغربية، في تناغم مع مصالح الكيان الصهيوني لضمان تفوقه الإقليمي.
أبرز ملامح المشروع وأهم أهدافه:
تُعدّ أبرز ملامح المشروع الصهيوغربي في الشرق الأوسط سعيه الدؤوب إلى تفتيت الدول الوطنية عبر تعميق الانقسامات الطائفية والعرقية، وإضعاف السلطة المركزية للدول لصالح كيانات متنازعة وهشة، وقد تمثل هذا بوضوح في العراق بعد عام 2003، حين جرى تفكيك مؤسسات الدولة تحت ذريعة “اجتثاث البعث”، ما مهّد الطريق لصراعات سنية شيعية وكردية استنزفت البلاد. وفي ليبيا، أدى التدخل العسكري الغربي إلى إسقاط النظام دون خطة لبناء دولة موحدة، فانفجرت الصراعات القبلية والجهوية على نحو غير مسبوق. تتقاطع هذه السياسات مع رؤية إسرائيل في تأمين تفوقها الإقليمي عبر محيط عربي منقسم وضعيف ومشغول بصراعاته الداخلية، وهو ما يحقق المصلحة المشتركة بين الصهيونية والقوى الغربية الساعية لإعادة تشكيل المنطقة وفق خرائط ناعمة لا تقل خطراً عن خرائط سايكس-بيكو. ومن أدوات هذا المشروع الصهيوغربي أيضاً تشجيع مشاريع التقسيم وفرض “الفيدراليات الطائفية” كبدائل للدولة الوطنية الموحدة، كما طُرح في سوريا عبر سيناريوهات تقسم البلاد إلى كيانات علوية وكردية وسنية، وفي السودان الذي انتهى بانفصال الجنوب.
ومن أبرز ملامح المشروع الصهيوغربي في الشرق الأوسط أيضًا دعم إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة، عبر ضمان تفوقها العسكري والتكنولوجي وتفكيك أي تهديد محتمل لتفوقها الاستراتيجي. وقد تزامن ذلك مع دفع الدول العربية نحو التطبيع التدريجي مع إسرائيل دون تحقيق حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، مما يُكرّس واقعًا إقليميًا جديدًا تُقبل فيه إسرائيل كـ”شريك طبيعي”، بينما تُهمَّش الحقوق الفلسطينية وتُختزل في مبادرات اقتصادية أو حلول جزئية لا تُلبي الحد الأدنى من تطلعات الشعب الفلسطيني.
ملمح اقتصادي من ملامح المشروع الصهيوغربي في الشرق الأوسط التحكم بالموارد الاقتصادية ونهبها عبر توجيه السياسات النفطية والاقتصادية بما يخدم مصالح الأسواق الغربية. فعلى سبيل المثال، تُصدِّر دول الخليج نحو 18 مليون برميل نفط يوميًا، يُباع أغلبه بالدولار وفق نظام “البترو-دولار” الذي يعزز قوة الاقتصاد الأمريكي. كما فُرضت على العديد من الدول العربية اتفاقيات تجارة حرة وشراكات غير متكافئة مثل اتفاقية أغادير واتفاقيات الشراكة الأوروبية المتوسطية، التي سهلت تدفق البضائع الغربية وأضعفت القطاعات الإنتاجية المحلية. ونتيجة لذلك، بلغت فاتورة الواردات الغذائية للدول العربية أكثر من 110 مليارات دولار سنويًا، ما عمّق التبعية وقيّد القرار الاقتصادي العربي لصالح مراكز القوة الغربية.
عسكرياً من أبرز ملامح المشروع الصهيوغربي في الشرق الأوسط التدخل العسكري المباشر وغير المباشر في شؤون الدول، تحت ذرائع متعددة كـ”مكافحة الإرهاب” أو “نشر الديمقراطية”، كما حدث في احتلال العراق عام 2003 الذي أدى إلى تدمير مؤسسات الدولة وزعزعة استقرار المنطقة، وسبقته الحرب في أفغانستان (2001). كما تُمارس ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية للتأثير في القرار السيادي لبعض الدول، من خلال القواعد العسكرية، مما يعمّق التبعية ويُضعف قدرة هذه الدول على اتخاذ قرارات وطنية مستقلة.
الملمح الثقافي للمشروع الصهيوغربي أيضًا يتبدّى في الهيمنة الثقافية والإعلامية، حيث يُروَّج لنماذج ثقافية غربية تسعى لتغيير القيم الاجتماعية والدينية في المجتمعات العربية والإسلامية، عبر السينما، والمنصات الرقمية، والمناهج المستوردة. ويُستخدم الإعلام الموجه لفرض مفاهيم مثل “الفوضى الخلاقة” و”الحرب على الإرهاب”، كأدوات دعائية تُبرّر التدخلات السياسية والعسكرية، وتُعيد تشكيل وعي الشعوب بما يخدم أهداف الهيمنة وإضعاف الانتماء للهويات الوطنية والدينية.
تظل القضية الفلسطينية في صميم أهداف المشروع الصهيوغربي وأحد أبرز وأهم ملامحه، إذ يسعى هذا المشروع إلى إضعافها وتفريغها من مضمونها الوطني ومحتواها الحقوقي، عبر اتفاقيات سياسية تُروَّج كحلول سلام، لكنها في جوهرها تهمّش الحق الفلسطيني في الأرض والعودة والسيادة، كما في اتفاقيات “أوسلو” و “صفقة القرن”. وترافق ذلك مع تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية دون ربطه بحل عادل، مما يسهم في عزل القضية عن عمقها العربي والإسلامي وتحويلها إلى ملف تفاوضي محدود، لا يتناسب مع جوهرها كقضية تحرر وطني.
الأهداف الاستراتيجية للمشروع:
يهدف المشروع الصهيوغربي في الشرق الأوسط إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالح القوى الغربية وإسرائيل، عبر سلسلة من السياسات التي أدّت إلى تدهور الأمن الإقليمي وانتشار النزاعات الأهلية، كما في سوريا واليمن وليبيا، مما ساهم في انهيار الدول الوطنية وتآكل مفهوم السيادة لصالح كيانات طائفية أو إثنية مدعومة خارجيًا. في الوقت نفسه، عمل المشروع على تضييق الخناق على قوى المقاومة وتهميش القضية الفلسطينية، عبر مسارات تطبيع لا تُحقق أي عدالة تاريخية، بل تعزل الفلسطينيين سياسيًا واقتصاديًا. وقد أسفرت هذه السياسات عن انهيار اقتصادي واسع النطاق، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتضخم الدين العام في معظم الدول العربية، ما أدى بدوره إلى تراجع الثقة الشعبية بالأنظمة الرسمية العربية، وازدياد حالة الغضب واليأس التي تُستغل في تغذية الفوضى وعدم الاستقرار المستمر.
سُبُل مواجهة المشروع؟
إن المشروع الصهيوغربي في الشرق الأوسط ليس مجرد فرضيات نظرية أو رؤى مؤامراتية، بل هو واقع يتجسد في كل بلد أنهكته الحروب أو التبعية أو التقسيم. والتعامل معه لا يكون بالتحليل وحده، بل ببناء مشروع عربي مقاوم مضاد يعيد الاعتبار للهوية، ويحقق السيادة، ويستثمر في وعي الشعوب. ولعل الخطوة الأولى تبدأ من فهم ما يجري، ثم العمل على تغييره. ولمواجهة المشروع الصهيوغربي في الشرق الأوسط، تبرز الحاجة الملحّة إلى إحياء الوعي الجمعي العربي بأهداف هذا المشروع وفضح آلياته الناعمة والخشنة التي تستهدف تفكيك المجتمعات وإضعاف الدول، من خلال خطاب فكري وإعلامي يعيد تشكيل الوعي الشعبي. ويتطلب ذلك أيضاً تعزيز الإعلام المقاوم القادر على كشف الحقائق وطرح البدائل، بعيدًا عن الخطابات المكرّرة والتابعة. كما يُعد التكامل الاقتصادي والسياسي العربي الحقيقي ضرورة استراتيجية لبناء قوة جماعية قادرة على فرض إرادتها، بدلًا من الارتهان للمحاور الدولية. ومن ركائز المواجهة أيضًا دعم التعليم المستقل الذي يُعيد الاعتبار للهوية العربية والإسلامية ويحرر العقول من التبعية الثقافية. وفي قلب هذا المسار، يجب إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية باعتبارها بوصلة الصراع العربي، ومفتاح فهم المشروع الصهيوغربي وإسقاطه، لا مجرد ملف سياسي أو تفاوضي هامشي.



