كم أنت كبير أيها الأمير الوالد
كم أنت كبير أيها الأمير الوالد
حصة عبدالله الحاي السليطي
منذ عشرة أيام وتزيد قليلًا، ما تزال سيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عطر المجالس، ونبض المجتمع، على المستويين المحلي والدولي.
وكلما مرّت لحظة استوقفتني فيها مناسبة أو موقف من مواقفه، جدير بالتأمل والتوثيق. فقد كانت حياته دروساً ملهمة، وجاء رحيله كذلك درساً آخر في معنى الأثر الطيب، والذكر الحسن، وحب الناس.
وبالرغم مما كتبته عنه في صحيفة الشرق القطرية، شأن مئات الكُتّاب الذين سعوا إلى الوفاء بحقه، أجد نفسي مدفوعة إلى الكتابة مرة أخرى.
حيث أن مواقفه النبيلة، وتاريخه الوضيء، وسيرته الناصعة، أكبر من أن يحيط بها مقال، أو تستوعبها صفحات.
وكلما تأملت ما كُتب عنه في مشارق الأرض ومغاربها، وفي الصحف ووكالات الأنباء والمنصات الإعلامية، ازددت يقيناً بأن هذا الإجماع لم يكن وليد المجاملة، وإنما كان ثمرة سيرة امتدت لعقود من العطاء والعمل والإنسانية.
وأنت تقرأ ما كتبه الناس عنه، تلاحظ أن القاسم المشترك في معظم تلك الشهادات يدور حول قيم بعينها: مناصرة المستضعفين، وإغاثة المنكوبين، والوقوف إلى جانب الشعوب في أزماتها، والإيمان بالحوار سبيلاً لحل النزاعات، والإسهام في صناعة السلام، ودعم استقرار المنطقة والعالم.
وهي قيم لم تكن شعارات تُرفع، وإنما كانت نهجاً تجسد في مواقف ومبادرات تركت أثرها في وجدان الملايين.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن الحزن على رحيله لم يقتصر على وطنه أو محيطه الخليجي، بل امتد إلى عواصم العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.
توافد القادة وكبار المسؤولين إلى قصر لوسيل لتقديم واجب العزاء، تقديراً لرجل عرفوه بالحكمة، ورجاحة الرأي، وجرأة الموقف، وسعة الأفق.
وكان حضوره في كثير من المحطات المفصلية مصدر ثقة واحترام، حتى غدا مرجعاً يُستأنس برأيه في أحلك الظروف، وكما قال الأول:”وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر”.
ولعل أكثر ما استوقفني في سيل الكتابات التي أعقبت رحيله أنها لم تكن مقصورة على بيانات النعي الرسمية، ولا على كلمات القادة والساسة والمفكرين، بل جاءت من الناس قبل غيرهم.
فقد كتب عنه أهل فلسطين كما لو كان واحداً منهم، يستعيدون مواقفه الثابتة في نصرة قضيتهم، وكتب أهل السودان عن وفائه في أوقات الشدة، واستذكر أهل لبنان وسوريا وغيرهم أياديه البيضاء ومبادراته الإنسانية ومواقفه النبيلة.
ولم تكن تلك الكلمات صادرة عن نخب أو مؤسسات فحسب، وإنما عن معلمين وأطباء وصحفيين وطلاب وشباب وآباء وأمهات، كتبوا بصدق العاطفة، لا بتكلف العبارة، واستعاد كلٌّ منهم موقفاً أو أثراً أو ذكرى تركها الأمير الوالد في بلده أو في حياته.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للإنسان، فمحبة الشعوب لا تُشترى، ولا تُفرض بسلطان، وإنما تُكتسب بالمواقف الصادقة والعطاء المخلص.
وما قرأناه في آلاف المقالات والتدوينات ورسائل العزاء من مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي كان شهادة تلقائية خرجت من القلوب قبل أن تكتبها الأقلام.
لقد بدا الأمير الوالد في تلك الكتابات حاضراً في ذاكرة الشعوب أكثر من حضوره في سجلات السياسة، وكأن كل شعب وجد في سيرته جانباً يخصه، أو معروفاً يدين له به، حتى غدت تلك الكلمات المتناثرة من عامة الناس أعظم شهادة على حياة ملأها الخير، وسيرة استقرت في الضمائر قبل أن تُسطر في الكتب.
وكانت كلماتهم تخرج من القلب، مبللة بدموع الحب والوفاء، لا بعبارات البروتوكول. لقد كتبوا عن إنسانيته قبل إنجازاته، وعن شهامته قبل مكانته، وعن تواضعه قبل نفوذه، وعن كونه رمزاً للكبرياء العربي، والأصالة الإسلامية، والوفاء للإنسان أينما كان.
ولم يكن المشهد الإعلامي أقل تأثيراً من مشهد العزاء نفسه؛ فقد ضجّت الصحف، وامتلأت صفحاتها بالمقالات والافتتاحيات والتحليلات التي تستعيد سيرة الأمير الوالد ومآثره، وتستعرض مناقبه ومواقفه.
كما تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى دفتر عزاء عالمي، تتدفق فيه الكلمات من كل حدب وصوب، حتى بدا وكأن العالم كله يكتب عنه في وقت واحد.
كانت الكتابات، على اختلاف لغاتها وأوطان أصحابها، تنبض بمشاعر صادقة، وتفيض بدموعٍ سخينة وقلوب نازفة، تستحضر رجلاً لم يكن حاضراً في ذاكرة السياسة وحدها، بل في ذاكرة الإنسانية جمعاء.
ولعل اللافت أن هذه الكتابات لم تقتصر على نقل خبر الرحيل أو تعداد الإنجازات، وإنما عبّرت عن إحساس عميق بالفقد، وكأن كل كاتب يودع قريباً أو أستاذاً أو أباً روحياً.
فامتلأت المقالات بعبارات الوفاء، وغصّت المنصات برسائل المحبة والدعاء، وتسابقت الأقلام إلى استحضار مواقفه الإنسانية وخصاله النبيلة، حتى غدت كلمات الرثاء نفسها وثيقة تاريخية تؤرخ لمكانته في قلوب الناس.
ولم يكن ذلك الحزن المصاغ بالحروف إلا انعكاساً لحياة صنعت أثرها في النفوس قبل أن تصنع حضورها في صفحات التاريخ.
نعم، هو كذلك وزيادة، فهو من جيل التأسيس الذي تشرب القيم الأصيلة، وجعلها منهجاً في الحكم والإدارة، وآمن بأن قوة الدول لا تُقاس بما تملك فحسب، بل بما تمنحه من خير، وما تزرعه من أمل، وما تتركه من أثر في حياة الناس.
لقد صدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أنتم شهداء الله في الأرض” فما هذا الإجماع على محبته، وما هذا الفيض من كلمات الرثاء الصادقة من مختلف الشعوب، إلا شهادة على سيرة عطرة، وأثر باق، وذكر حسن سيظل خالداً وسيبقى بإذن الله.
ولعل من أصدق صور الوفاء، وأبلغ الشهادات على مكانته في قلوب الناس، ما شهدته جزر القمر من إقامة صلاة الغائب على روحه الطاهرة، في مشهد مؤثر يعكس عمق المحبة التي حظي بها في نفوس شعب لم تربطه به حدود الجغرافيا، وإنما جمعته به مواقف الخير والعطاء.
فلم تكن تلك الصلاة مجرد شعيرة تؤدى، بل كانت رسالة وفاء لرجل امتدت أياديه البيضاء إلى المحتاجين، وأسهمت مبادراته الإنسانية والتنموية في تخفيف معاناة كثير من الشعوب.
وحين ارتفعت أكف الضراعة في مساجد جزر القمر، كانت تترجم حقيقة أن العظماء لا تُخلِّدهم المناصب، وإنما يخلدهم ما يزرعونه في قلوب الناس من محبة، وما يتركونه في حياتهم من أثر طيب لا يزول.
ومهما كتبنا، ومهما استحضرنا من مواقف وشواهد، فإننا نظل ندور في فلك سيرة أكبر من أن تستوعبها الكلمات، وأرحب من أن يحيط بها مقال أو كتاب.
فالأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لم يكن مجرد قائدٍ ترك إنجازات سياسية وتنموية، بل كان مدرسةً في الفكر والقيادة، ونموذجاً في استشراف المستقبل، وصانعاً لمرحلة مفصلية في تاريخ قطر الحديث.
وما سطرناه اليوم ليس إلا إشارات عابرة إلى بحر زاخر بالعطاء، ومحاولة متواضعة للوفاء بحق رجل اتسع أثره حتى جاوز حدود وطنه إلى رحاب الإنسانية.
ولعل خير وفاء لهذه السيرة الخالدة أن نواصل الكتابة عنها، لا من باب الرثاء، وإنما من باب التوثيق والإنصاف للأجيال القادمة.
وسنقف في مقالات لاحقة عند محطات مضيئة من حياته، وفي مقدمتها أثر المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، عليه رحمة الله، في تكوين شخصيته، وصياغة منهجه، وترسيخ القيم التي حملها في مسيرته؛ من الإيمان بالاستقلال، والاعتزاز بالهوية، وبناء الدولة، وخدمة الإنسان.
فبين المؤسس وباني النهضة الحديثة وشائج فكرية وروحية عميقة، صنعت امتداداً أصيلاً لمسيرة وطن، وأرست نهجاً ظل حاضراً في القرارات والمواقف، وفي الرؤية التي نهضت بها قطر إلى مكانتها التي نراها اليوم.
كم أنت كبير أيها الأمير الوالد.
عليك سلام الله في الخالدين، ورحمة منه ورضوان، وجزاك عن وطنك وأمتك والإنسانية خير الجزاء.
وعلى مثلك فلتبكِ البواكي.
#قطر #الأمير_الوالد #الفقد_الكبير #الشيخ_حمد_بن_خليفة



