القرآن الكريم وضع إطارًا واضحًا للعلاقة بين الإنسان وأسرته، من خلال التوجيهات التي تحثّ على الإيمان بالله والعبادة، مثل: الصلاة، والزكاة، والصوم، وبرّ الوالدين، واختيار الزوجة وتربية الأبناء، بما يضمن للإنسان سعادة دنيوية وأخروية من خلال أسرة قوية كأساس مجتمع متماسك.
كما يقدم القرآن العديد من النصائح حول الأخلاق والفضائل، مثل: الصدق، والأمانة، والصبر، والتواضع، مما يعزز من جودة الحياة الشخصية للفرد ودوره في محيطه الأسري.
المخاطر التي قد تشكلها بعض المواثيق الدولية على الأسرة المسلمة تتفاوت في آثارها السالبة وتعتمد بشكل كبير على مضمون هذه المواثيق وكيفية تطبيقها دون مراعاة لدين أو ثقافة المجتمعات
والإسلام يولي أهمية كبيرة للأسرة باعتبارها الأساس الذي يقوم عليه المجتمع. في القرآن الكريم والسنة النبوية، توجد توجيهات واضحة لحماية الأسرة وتعزيز استقرارها.
يرتكز الإسلام في تنظيم العلاقات الأسرية على مبادئ من العدل والمساواة والرعاية المتبادلة.
الإسلام يحدد حقوق وواجبات كل من الزوجين تجاه الآخر، مما يساعد في حماية العلاقة الزوجية واستقرار الأسرة. على سبيل المثال:
الحقوق والواجبات المترتبة على الزوج
يجب على الزوج أن يوفر حياة كريمة لزوجته، ويعاملها بالاحترام والمحبة، ويكون رحيمًا بها. وقد ورد في القرآن: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (النساء: 19).
- حقوق الزوجة:
للزوجة الحق في المعاملة الحسنة من زوجها، كما ورد في الحديث النبوي: (استوصوا بالنساء خيرًا) (رواه الشيخان)، وهو يحث على معاملة الزوجات بكرامة ورحمة، ويعتبر الأطفال هبة من الله، تعالى، ويجب على الأسرة أن توفر لهم الرعاية والاهتمام.
كما أوجب على الوالدين تربية الأطفال تربية صالحة وتعليمهم القيم الإسلامية. وذلك يُعد في الشريعة الإسلامية عبادة وقُربى لله رب العالمين، فليس الأمر بحاجة إلى منهج فلسفي أو اتفاقية دولية.
ومن الاتفاقيات الدولية التي عليها ملاحظات، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي تم تبنيها من قبل الأمم المتحدة في عام 1979، وتهدف إلى القضاء على التمييز ضد المرأة وضمان حقوقها في جميع المجالات.
بيدَ أن بعض البنود فيها تثير الجدل بين المسلمين، خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة في الزواج، الطلاق، والنفقة، حيث يعتقد البعض أنها تتناقض مع الأحكام الشرعية الإسلامية. على سبيل المثال، تأكيد الاتفاقية على حقوق النساء في اتخاذ قرارات الطلاق، قد يُعتبر تهديدًا للسلطة التقليدية للأب أو الزوج في الأسرة المسلمة.
اتفاقية (سيداو) التي تدعو للمساواة بين الجنسين في جميع مجالات الحياة، فيها تناقض كبير بين ما تروج له بعض الدول الغربية من دعوات للمساواة بين الجنسين والحرية الشخصية، وبين الطريقة التي يتم التعامل بها مع قضايا دينية وثقافية، خصوصًا في السياقات المتعلقة بالدول الإسلامية.
كما أنها تعد تدخلًا في شؤونهم الداخلية عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل حرية الدين والعقيدة، والمؤسف أن بعض الدول الإسلامية تقبل هذا التدخل السافر في أمور تتصل بسيادتها من جهة، وتتناقض مع الشريعة الإسلامية من جهة ثانية.
المخاطر التي قد تشكلها بعض المواثيق الدولية على الأسرة المسلمة – وعلى رأسها اتفاقية سيداو- تتنوع وتتفاوت في آثارها السالبة وتعتمد بشكل كبير على مضمون هذه المواثيق وكيفية تطبيقها في السياقات المختلفة دون مراعاة لدين أو ثقافة المجتمعات المختلفة.
ومن أبرز هذه المخاطر المساس بالقيم الأسرية والدينية، حيث إن بعض المواثيق الدولية قد تعارض القيم التي يعتمدها الإسلام في تنظيم الأسرة، مثل تحديد دور الأب والأم في تربية الأطفال، أو حقوق وواجبات الزوج والزوجة.
إنّ الغرب الذي يتفاخر بالحديث عن الحريّة والليبراليّة وحقوق الإنسان، ينكر على الأمم والحضارات الأخرى حقوقها في أن تختار منظومة القيم التي تريد
ثم من المخاطر التأثير على دور المرأة داخل الأسرة، ففي بعض الحالات، يمكن أن تكون بعض المعايير الدولية التي تروّج للمساواة بين الجنسين في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية مُرَكَّبة، أو تطالب بتغيير أدوار الأسرة التقليدية.
هذا قد يؤدي إلى تحديات في فهم الأدوار المحددة لكل من الزوجين في سياق الحياة الأسرية.
إن الإسلام -انطلاقًا من الفطرة الإنسانية السويّة- قد بَنى الأُسْرة على العلاقات الشرعيّة والمشروعة بين ذكر وأنثى، لتتحقق – بهذا التمايز والتكامل- سعادة الإنسان، وليتحقق -بالتوالد والتناسل- بقاء الجنس البشري، ولتكون هذه الأسرة هي اللّبنة الأولى في تأسيس بناء الأمّة.
بيد أن وثيقة مؤتمر السكان – وبصريح العبارة- تفكك هذا المعنى الإنساني للأُسْرة، وتدعو إلى (تغيير الهياكل الأسريّة)، معتبرة ذلك التغيير هو (المجال الحيوي لعمل الحكومات والمنظمات الحكوميّة الدوليّة، والمنظمات غير الحكوميّة المعنيّة، ووكالات التمويل، والمؤسسات البحثيّة).
فكل هذه المؤسسات مدعوة: (بإلحاح لإعطاء الأولويّة للبحوث الحيويّة المتعلقة بتغيير هياكل الأسرة.. وذلك حتى لا تكون -فقط- أسرة شرعيّة مؤسسة على علاقة مشروعة بين ذكر وأنثى.. وإنما لتضم كل ألوان العلاقات مدخلة – بذلك الانقلاب- العلاقات الشاذة والمحرّمة شرعًا وفطرة في إطار (الأُسرة) التي يعترف بها القانون، ويحميها ويرتب لها الحقوق ويصون لها الواجبات.
والأكثر إمعانًا في الغرابة أنّ الغرب الذي يتفاخر بالحديث عن الحريّة والليبراليّة وحقوق الإنسان، ينكر على الأمم والحضارات الأخرى حقوقها في أن تختار منظومة القيم التي تريد، ويسعى -بالترهيب والترغيب- إلى فرض مفاهيمه وفلسفاته على العالمين.. حتى ليعلن -في وثيقة مؤتمر السكان- توجيه المعونات التي يقدمها لتنفيذ ما صاغه في هذه الوثيقة من قيم وفلسفات، فتتكرر – في هذه الوثيقة- عبارات (الالتزام) و(الإلزام) التي تقول: ينبغي للحكومات أن تلتزم على أعلى مستوى سياسي بتحقيق الغايات والأهداف الواردة في برنامج العمل هذا.. وإعمال الضمانات وآليات التعاون الدوليّة لكفالة تنفيذ هذه التدابير.. وينبغي على الجمعيّة العامة للأمم المتحدة أن تنظم استعراضًا منتظمًا لتنفيذ برنامج العمل هذا (اتفاقية سيداو).
(إن الغزو الفكري الغربي قد أحدث تغييرًا أساسيًا، وذلك عندما زرع في المجتمعات الشرقيّة الإسلاميّة مرجعيّة حضاريّة أخرى -وضعيّة علمانيّة لا دينيّة- غدت منافسًا شرسًا لمرجعية الإسلام.. الأمر الذي استوجب تمييز المفاهيم الإسلاميّة عن نظيرتها الوضعيّة العلمانيّة اللادينيّة في مختلف ميادين الحياة (ميثاق الأسرة في الإسلام).
ختامًا: إن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، هي ليست حربًا على الأسرة المسلمة فحسب- بل هي حرب على القيم والشرائع، وبالتالي الأمانة الملقاة على عاتقنا. والمسؤولية التي في أعناقنا جميعًا أن نحيّد هذه الاتفاقية التي تستهدف ديننا وعقيدتنا قبل أن تستهدف أسرتنا وتسعى لتفتيتها وتغريبها بشتى السُبُل.



